منذ نشاط وانتشار عدوى كورونا في العالم،. في ديسمبر عام ٢٠١٩ تسابقت الدول المتطورة في إيجاد علاج ولربما لقاح لهذا الفيروس القاتل، الذي لم يعرف العالم له مثيلا قبل هذا اليوم.
ظهر فيروس كورونا المستجد بداية في الصين، في مدينة ووهان والتي منها انتشر لجميع دول العالم.
ينتمي هذا الفيروس إلى سلسلة فيروسات كورونا "التاجية" - من اسمه - تتميز هذه العائلة من الفيروسات بإصابة الحيوانات والإنسان بالمرض على حد سواء، وبالتالي تنقل المرض من الحيوان إلى الإنسان وبالعكس، وقد اشتهرت فيروسات كورونا بإصابتها للبشر بأمراض تنفسية، تكون حدتها بين العادية "كنزلات البرد" ومنها الحادة جدا والأشد وخامة كمتلازمة الشرق أوسط التنفسية المعروفة بـ MERS وكذلك المتلازمة التنفسية الحادة SARS
تتشكل أعراض الإصابة بعدوى "كورونا" بعد التقاط العدوى بعدة أيام، وقد تختلف من شخص لآخر وطريقة بأخرى، فهي تكون مثل نزلات البرد العادية، من حمى وسعال والتهاب في الحلق، وتظهر بعض الأعراض الأخرى لقليل من المصابين منها فقدان حاستي الشم والتذوق.
تسابقت الدول العظمى والمتطورة علميا في التغلب على هذا الوباء الشرس، الذي - وحتى كتابة هذا المقال - وصل عدد ضحاياه إلى أكثر من ٩٠٠ ألف قتيل حسب مؤشر منظمة الصحة العالمية، والذي أشار أيضا إلى الحالات النشطة المصابة الآن إلى أكثر من ٨ ملايين شخص حول العالم
تنافس دولي شديد
في أغسطس الماضي، نشر موقع EuroNews مقالا له، تحدث فيه عن تنافس أكبر الشركات والدول على إنتاج لقاح لهذا المرض.
بدأت الدول حقيقة في التنافس على حصر المرض في مناطق انتشاره والحد من خروجه والخوف من فقدان السيطرة عليه، لينتشر في أجزاء أوسع من العالم، كما فعلت الصين حين عزلت مدينة ووهان بالكامل، البؤرة التي ابتدأ منها المرض.
فعلى ما يبدو بأن فيروس "كوفيد ١٩" لم يكن مألوف الخصائص والتركيب لدى علماء الفيروسات والكائنات الدقيقة، ولم يكن الوقت كافيا للوقوف وانتظار مراكز الأبحاث لفهم طبيعة الفيروس وكيفية علاجه أو حتى إيجاد لقاح ضده!
تلك كانت الأشهر الأولى لهذه الأزمة التي اجتاحت العالم أجمع، تسابق الجميع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح البشر، بسن قوانين الحضر الإجباري واتخاذ التدابير الوقائيه حتى لا يصاب الجميع.
ونظرا لطبيعة البشر التي وجدت داخله، فإن غريزة البقاء كانت دافعا جيدا للسيطرة على مسار الفيروس في الأشهر الثلاث الأولى، حتى إن الكمامات نفذت من معظم الأسواق العالمية - كألمانيا مثالا - والمعقمات الكحولية اليدوية، والتي ارتفعت أسعارها لمبالغ جنونية آن ذاك.
أشارت - يورو نيوز - على أن واحدا وثلاثون لقاحا محتملا يخضع للتجارب السريرية البشرية، وأن ثمانية من هذه اللقاحات قد انتقل بالفعل إلى المرحلة الثالثة والتي يتم فيها اختبار الفعالية بنطاق أوسع.
أشير هنا إلى المراحل التي يمر بها لقاح الفيروس ليتمكن من طرحه في السوق ويستخدم فعلا كلقاح ضد مرض كورونا، وسأسردها هنا بطريقة مبسطة جدا.
يمر اللقاح بستة مراحل أساسية ليكون صالحا للاستعمال على البشر، أول هذه المراحل هي فهم طبيعة الفيروس وتركيبته، تأتي المرحلة الثاني بترشيح الفيروس والتي من خلالها يتم عزل الفايروس قبل إضعاف قوته أو فهم تسلسله الجيني وأخذه، والذي رمبا يكون جسم الإنسان مناعة ضده.
أما المرحلة الثالثة في الاختبارات ما قبل السريرية يتم تجربة اللقاح على الحيوانات قبل تجريبها على البشر، تأتي في المرحلة الرابعة الاختبارات السريرية على البشر، والتي عادة ما تفشل العديد من تجارب اللقاحات في هذه المرحلة، حيث يتم تجربة هذا اللقاح على بضع عشرات من المرضى ثم المئات منهم، ثم الآلاف، وبالتالي يتم التأكد من مدى فعالية اللقاح وسلامته.
يأتي بعد ذلك الموافقة التنظيمية التي تعتمد هذا اللقاح من مراكز الأبحاث والتي من أشهرها الـ FDA أو إدارة الدواء والغذاء الأمريكية. ليأتي بعد ذلك المرحلة السادسة والأخيرة لتصنيع اللقاع وهي مرحلة الإنتاج بكميات كبيرة.
نعود إلى اللقاحات الثمانية التي وصلت إلى المرحلة الثالثة وهي التي طورتها شركتا بَيونتك الألمانية وفايزر الأميركية، ومختبرات مودرنا الأمريكية ومختبرات سينوفارم وسينوفاك الصينية وجامعة أكسفورد بالتعاون مع أسترازينيكا البريطانية.
إزدادت حمى التنافس على صناعة اللقاح - كما أسماها موقع يورونيوز - بعد أن أعلن الرئيس الروسي - فلاديمير بوتين - عن لقاح جاهز للاستعمال البشري وقد تمت الموافقت عليه وترخيصه رسميا في روسيا للاستخدام.
مما جعل منظمة الصحة العالمية تعلق بحذر شديد حول هذا اللقاح، وعن الإجراءات الصارمة التي يجب اتباعها قبل اعتماد أي لقاح، وقد أوضح الناصق الرسمي باسم منظمة الصحة العالمية ياساريفيتش أن "مرحلة ما قبل الترخيص تتضمن مراجعة وتقييما لكل بيانات السلامة والفعالية المطلوبة التي جمعت خلال مرحلة التجارب السريرية".
ووفقاً لتحليل البيانات التي حصلت عليها "يورونيوز"، فقد تصدّرت الولايات المتحدة دول العالم لجهة عدد جرعات اللقاح التي وقعت مع شركات متعددة من أجل الحصول عليها، وكان مجموع الجرعات 1.3 مليار جرعة، حلّ بعدها في المركز الثاني الاتحاد الأوروبي الذي وقّع عقوداً للحصول على 700 مليون جرعة، ثم اليابان بواقع 490 مليون جرعة.
كما أعلن علماء من معهد أكسفورد أن مليون جرعة من اللقاح المحتمل يتم تصنيعها لتكون متاحة في سبتمبر عبر 3 من شركاء التصنيع في بريطانيا واثنان في أوروبا وواحد في الهند والآخر في الصين.
وقد قام علماء في مختبر روكي ماونتن في مونتانا باختبار جرعات من اللقاح الذي طوره المعهد التابع لأكسفورد على ستة قرود من فصيلة "ريسوس المكاك"، والتي تم تعريضها بعد ذلك لفيروس كورونا المستجد، وخلال 28 يوما كان جميعهم بخير، حسب مقال تم نشره في أبريل الماضي على موقع قناة الحرة الأمريكية.
كما صرح أيضا إميليو إميني، مدير برنامج اللقاحات في مؤسسة بيل وميليندا غيتس التي تدعم عدة مختبرات لتطوير لقاح لكوفيد-19 قال إن الاختبارات السريرية سريعة جدا، لمعرفة اللقاح المحتمل الذي يمكنه محاربة الفيروس.
ستشهد الولايات المتحدة الأمريكية في الـ 3 من نوفبر الانتخابات الأمريكية والتي يشتد سعيرها الآن بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ومنافسه جو بايدن.
وقد يبدو أن للانتخابات الأمريكية ولقاح كورونا تأثيرا كبيرا على الشعب الأمريكي، وأيضا العالم أجمع، فقد أصر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على حصول لقاح لفيروس كورونا بنهاية سبتمبر ومنتصف أكتوبر الحالي.
قال ترمب في الـ 16 من سبتمبر المنصرم خلال لقاء حضره عدد من الناخبين في بنسلفانيا، استضافته شبكة "إيه.بي.سي نيوز": "نحن قريبون جدا من التوصل للقاح". وأضاف "نحن على مسافة أسابيع من الحصول عليه، ربما ثلاثة أو أربعة أسابيع"
هذ وعبر الديمقراطيون عن القلق من أن يكون ترامب يمارس ضغوطا على الهيئات الصحية والعلماء للموافقة على لقاح بشكل سريع، يساعده في تعزيز حظوظه للفوز بولاية رئاسية ثانية أمام منافسه الديمقراطي جو بايدن في انتخابات 3 نوفمبر.
وأظهر استطلاع لشبكة "إن.بي.سي نيوز" ومركز سورفي مونكي منتصف سبتمبر الماضي أن 52٪ من الأشخاص لا يثقون بتصريحات ترامب بشأن لقاح مرتقب لكورونا، مقابل 26٪ يثقون بها.
وبذلك يحاول ترمب جاهدا الحصول على لقاح وعلاج ناجع لكورونا قبيل موعد الانتخابات وتحت ولايته ليزيد من تعزيز فرصه في الفوز بولاية رئاسية ثانية، ويكون هذا اللقاح ورقة رابحة له.
على صعيد آخر، وعلى ما يبدو صراعا دوليا أكثر مما هو محلي، وفي تنافس واستعراض للعضلات على القوى الإقليمية الكبرى بين عمالقة الصناعة، دخلت روسيا على خط الإنتاج للقاح كورونا، وكان بوتين واجهتها الوحيدة بإعلانه المفاجيء والمتقدم جدا حول حصول روسيا وإنتاجها للقاح، تم تجربته بالفعل وأثبت نجاحه!
عزز الرئيس الروسي ذلك، بقوله أن هذا اللقاح تمت تجربته على العديد من المرضى من بينها ابنته، وكان هذا التصريح صادما للعديد من المتابعين والمهتمين.
أعلنت وزارة الصحة الروسية بأنها سجلت أول لقاح في العالم للوقاية من "كوفيد-19"، تم تطويره على يد خبراء مركز جامالي لأبحاث الأوبئة والأحياء الدقيقة وتم إنتاجه بالاشتراك مع الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة.
وأعلن رئيس الصندوق كيريل دميترييف، في وقت سابق، أن الصندوق تلقى طلبات من أكثر من 20 دولة من دول العالم لشراء مليار جرعة من اللقاح الروسي الصنع ضد "كوفيد 19".
كما صرح صندوق الاستثمار المباشر الروسي فيما سبق إن روسيا تبدأ مرحلة جديدة من التجارب السريرية للقاح "سبوتنيك في" Sputnik-V المضاد لفيروس كورونا المستجد ستشمل أكثر من 40 ألف إنسان في موسكو وحدها.
وحول هذا اللقاح الروسي المزمع قال المتحدث باسم المنظمة، طارق ياساريفيتش، خلال مؤتمر صحفي عبر الفيديو: "نحن على تواصل وثيق مع السلطات الروسية والمحادثات تتواصل. المرحلة التي تسبق الترخيص لأي لقاح تمرّ عبر آليات صارمة"
وأوضح المتحدث أن "مرحلة ما قبل الترخيص تتضمن مراجعة وتقييما لكل بيانات السلامة والفعالية المطلوبة التي جمعت خلال مرحلة التجارب السريرية".
وأشار إلى أنه بالإضافة إلى المصادقة التي تمنحها الجهات المختصة في كل بلد، "وضعت منظمة الصحة العالمية آلية ترخيص مسبق للقاحات ولكن أيضاً للأدوية. يطلب المصنعون الترخيص المسبق لمنظمة الصحة العالمية لأنه بمثابة ضمان للنوعية".
لم تقدم روسيا دراسات مفصلة حول هذا اللقاح ولا عن نتائج التجارب السريرية التي أثبتت نجاع هذا اللقاح!
وفي هذه الأثناء، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن إصابته بفيروس كورونا وزوجته ميلانيا، وقد تم نقله إلى مستشفى عسكري، وعلى ما يبدو أن ترمب قد استغل هذه الفرصة لتعاطف الناس معه وزوجته، وصرح ترمب من مكانه في المستشفى العسكري " يجب أن اعود إلى البيت الأبيض حتى نتمكن من إبقاء أمريكا عظيمة"
وفيما يبدو حتى الآن، أن لقاح كورونا لن يرى النور في القريب العاجل، بين تهافت وصراع الدول على امتلاك لقاح ينقذ البشرية من هذا الوباء القاتل.
فهل سيؤثر دور الصراع السياسي والاقتصادي بين الدول الكبرى على نتائج الوصول إلى اللقاح المنشود؟

تعليقات
إرسال تعليق